أخبار وطنية الجمهورية في زيارة للطفل هيثـم الذي افقدته الـمـعلمـة بـصــــره: هكذا تم التغرير بوالده ليسقط جميع "حقوقه"!
أثناء زيارتنا له بمستشفى الهادي الرايس لأمراض العيون كان التلميذ هيثم ذو العشر سنوات يغط في نوم عميق، في المقابل غطت قطعة من الضمادات البيضاء جمال عينيه الخضراوين، لتكشف عن قسوة الحياة التي حملت معلمة تجردت في لحظة من مشاعر الإنسانية وعرضت الطفل لخطر فقدان نعمة البصر..
هيثم لم يشأ أن تغادره أخبار الجمهورية قبل أن يطلق ابتسامة أمل حملت بين طياتها صرخات طفل يستنجد عبرها بالمجهول ليعيد له بصره المفقود. إنّه التلميذ الذي عنّفته معلمته ذات يوم أثناء الدرس، وتحديدا بمدرسة أم العظام بسيدي بوزيد لتتواصل معاناته لساعات قبل أن تتفطن عائلته لما أصاب فلذة كبدها..
وتبعا لتطورات وضعية الطفل هيثم ومتابعة حالته الصحية، ارتأت أخبار الجمهورية أن تلتقيه بالمستشفى المذكور للاطمئنان عليه من ناحية، ولإجراء حديث مع والدته التي لازمته الإقامة منذ أسابيع لتكشف عن بعض التفاصيل المهمة..
روت لنا السيدة ناجية زيداني أطوار الحادثة التي تعرض خلالها ابنها هيثم إلى العنف من قبل معلمته مؤكدة أنه فقد الوعي اثر الضربة التي تعرض إليها بواسطة «خرطوم بلاسيكي» على مستوى عينه اليسرى وانه استمر في القيء لساعات طويلة دون أن يتم إسعافه، وأفادت محدثتنا انه لم يتم حتى إخبارها مباشرة بما تعرض إليه.
وواصلت حديثها قائلة انه تم إعلامها من قبل أحد أعوان المدرسة المذكورة بالحادث الذي تعرض له فلذة كبدها تحديدا خلال فترة الراحة، حيث أخبرها انّ هيثم «تعرض إلى حادث بسيط على مستوى عينه أدى إلى إصابتها بجرح طفيف تمت مداواته وانه عاد إلى قسمه سليما» وفق تعبيره.
ولم تخف السيدة ناجية أنها شعرت بالاطمئنان قليلا بعد ما أخبرها العون المدرسي بسلامة ابنها مشيرة إلى أنها في ذات الوقت كان هنالك شعور بداخلها يخبرها انّ هيثم قد أصابه مكروه وهو ما دفعها إلى التوجه إلى المدرسة حوالي منتصف النهار للاطمئنان عليه والرجوع به إلى المنزل لكن ما راعها إلا والإطار التربوي يأبى أن تتسلمه قبل انتهاء حصته الدراسية على الساعة الواحدة بعد الزوال قائلة أنهم تعمدوا ذلك حتّى لا ينكشف حجم الاعتداء الذي تعرض إليه وتثار بلبلة نتيجة لذلك.
منعرج خطير..
وأكدت لنا والدة هيثم أنها تفاجأت خلال الساعة الواحدة بابنها الذي كان في حالة يرثى لها وعينه اليسرى غاب عنها «النور»، مشدّدة على أن الحالة الصحية لابنها قد تدهورت خلال ذلك اليوم حيث أن عينه المتضررة تورّمت وانتفخت وارتفعت حرارته كثيرا خلال الليل ولم يكن لديها المال الكافي لنقله إلى المستشفى الجهوي بسيدي بوزيد لعلاجه.
من ناحية أخرى أفادت السيدة ناجية انّه وإثر تمكنها من إيصال صوتها للإعلام بعد أن شعرت أن حق ابنها سيضيع هدرا خاصة وأن المعلمة لم تقدم حتى اعتذارا عما فعلته، وبعد أن تفطنت وزارة التربية للحادثة أمرت بإيقاف المعلمة عن العمل وتكليف المندوب الجهوي بسيدي بوزيد بمتابعة حالة ابنها ثم نقله من مستشفى سيدي بوزيد إلى مستشفى الهادي الرايس بالعاصمة حيث يقيم فيه منذ شهر وتم خلاله إجراء العديد من العمليات الجراحية على عينه اليسرى لإيقاف النزيف الحاد الذي أصابها جراء الاعتداء.
وبخصوص حقيقة المعطيات المتداولة والتي أفادت أنّ زوجها وافق على إسقاط الدعوى الموجهة ضد المعلمة وبالتالي إسقاط كل التتبعات الجزائية والمادية نحوها، أكّدت لنا محدثتنا صحة تلك المعطيات مشيرة إلى أنّ زوجها وافق على ذلك بعد أن توجهت إليه المعلمة صحبة والدها خلال الشهر الفارط ليطلبا منه إسقاط الدعوى حتى لا يتم الزج بها في السجن. كما وعداه بأنهما سيتكفلان بكافة المصاريف التي يستوجبها علاج هيثم وسيتابعان حالته الصحية أولا بأول.
رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية على الخط..
في ذات السياق كانت لرئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية السيدة راضية الجربي مداخلة مع أخبار الجمهورية باعتبار أنّها تباشر منذ مدة وضعية الطفل هيثم، حيث أكّدت لنا أنّ حالته المعنوية سيئة جدا وهو ما دفع بالطبيب الذي يباشر حالته في مستشفى العيون إلى عرضه على أخصائي نفساني نتيجة العنف الذي تعرض إليه.
وكشفت الجريبي أنّ عين الطفل تضررت كليا وأن إمكانية استعادة النظر بها صعبة للغاية إن لم تكن مستحيلة، مشددة على أن وزارة التربية أقرت بأن ما تعرض له الطفل هو حادث مدرسي لكنها لم تحمّل المسؤولية للمعلمة رغم قيامها بإيقافها عن العمل.
من ناحية أخرى أكدت الجربي انّ المعلمة لم تكلف نفسها حتى عناء الاتصال بالعائلة للاطمئنان على حالة هيثم أو زيارته بالمستشفى لرؤية ما أسفر عنه صنيعها.
وأشارت محدثتنا إلى أنّها وخلال متابعتها لوثائق إسقاط الدعوى تفطنت إلى انّ والد هيثم قد أمضى على إسقاط التتبع الجزائي والمدني وكل أنواع التتبع مهما كان نوعه، مشدّدة على انّ والد الطفل لم يكن يعلم انّه قام بإسقاط كل التتبعات على اعتبار انه أميّ لا يجيد القراءة والكتابة كما أنه لم تتم تلاوة محتوى ما كتب عليه بحضور شاهدين اثنين.
ونتيجة لذلك أكدت لنا رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية أنّها توجهت إلى ولاية سيدي بوزيد لمتابعة إجراءات تراجع والد هيثم عن الإسقاط بعد تفطنه الى الحقيقة حيث انه لم يكن ينوي إسقاط التتبع الجزائي والمدني، مشيرة إلى أنها توجهت إلى عدل إشهاد بالمنطقة في ما يتعلق بهذا الشأن.
ظروف معيشية تحت الصفر...
راضية الجربي أكدت في ذات مداخلتها انّ الظروف الاجتماعية التي تمرّ بها العائلة صعبة للغاية، فربّ العائلة عاطل عن العمل ولا مورد رزق لهم يمكّن الأسرة من التمتع حتى بأبسط ضروريات الحياة، وهو ما لمسته أخبار الجمهورية أيضا من خلال حديثها مع والدة الطفل المتضرر التي أكدت لنا حجم معاناتها وسط عائلة تضم 5 أفراد من بينهم ثلاثة أطفال جميعهم يدرسون في ظروف قاسية وزادت إصابة هيثم عليهم الطين بلّة.
طبيبة هيثم تكشف...
هذا وكان لنا لقاء مع الطبيبة المباشرة لحالة هيثم الصحية بمستشفى الهادي الرايس والتي أكّدت لنا انّ الإطار الطبي سواء بالمستشفى الجهوي بسيدي بوزيد أو مستشفى أمراض العيون وضعوا كل خبراتهم ومجهوداتهم لإسعاف العين المتضررة وإيقاف النزيف الذي كانت تعاني منه وإجراء كل العمليات اللازمة.
وحول إمكانية استعادة الطفل هيثم بصره المفقود من عينه اليسرى، اكتفت الطبيبة المباشرة بالقول انّ الإطار الطبي يعمل جاهدا من أجل ذلك وأنّ الأيام القادمة ستكشف التطورات الصحية التي على ضوئها سيتم التشخيص الكلي للحالة..
وزارة التربية تعلّق..
وباتصالنا بوزارة التربية، أكد لنا مصدر رسمي أنّها تتابع حينيا وضعية الطفل هيثم وأنها تكفلت بجميع المصاريف المترتبة عن علاجه، مشيرا في ذات السياق إلى أنّ الوزارة كلفت طبيبا نفسانيا للقيام بمباشرة حالة الطفل يوميا بمستشفى الهادي الرايس بالعاصمة.
وأضافت انّه تم طرد المعلمة المعتدية واستجواب مدير مدرسة أم العظام التي شهدت واقعة الاعتداء على التلميذ بسبب عدم قيامه بإشعار المندوبية الجهوية للتربية بالحادثة.
نداء عاجل إلى وزير الشؤون الإجتماعية..
بعد معاينة الوضعية الاجتماعية التي تدمي القلب لعائلة الطفل البريء هيثم الذي لم يكن له ذنب في هذه الدنيا سوى انه وُلد في وسط اجتماعي صعب اكتفى عليهم فقط بوالدين محبين لم يعقهما الفقر عن مواصلة النضال بكل ما أوتي لهما من قوة وإمكانات متواضعة جدا لمنح فلذات أكبادهما لقمة العيش ومحاولة تدريسهم وإيصالهم إلى بر الأمان، لا يسعنا إلاّ أن نتوجه إلى وزير الشؤون الاجتماعية بنداء عاجل للتدخل وانقاذ هذه الأسرة من براثن الفقر والخصاصة وايجاد حلّ يوفّر لهم الكرامة...
تحقيق: منارة تليجاني